الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

294

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الإنسان إلى مقام المشاهدة الباطنية والرؤية القلبية ، وينال كل شخص من هذه المشاهدة مرتبة تتناسب مع مقدار معرفته وعمله الصالح . وللفخر الرازي في تفسيره هنا بيان جميل يمكن جمعه مع ما قلناه ، فهو يقول : إن الإنسان يغفل في هذه الدنيا عن الله غالبا نتيجة لغرقه في الأمور المادية ، والسعي لتحصيل المعاش ، إلا أنه يتوجه يوم القيامة بكل وجوده إلى رب العالمين ، لأن كل هذه المشاغل الفكرية ستزول ، وهذا هو معنى لقاء الله ( 1 ) . ثم إنه اتضح مما قلناه أن قول بعض المفسرين بأن هذا التعبير إشارة إلى لحظة الموت واللقاء بملك الموت لا يناسب الآيات مورد البحث ، ولا التعبيرات المشابهة الواردة في آيات القرآن الأخرى ، وخاصة وأن ضمير المفعول الذي في جملة " يلقونه " جاء بصيغة المفرد ، وهو إشارة إلى ذات الله المقدسة في حين أن الملائكة التي تقبض الأرواح جمع ، وجاءت كلمة " الملائكة " بصيغة الجمع في الآية السابقة أيضا ( إلا اللهم أن تقدر كلمة ما ) . 3 3 - أجور المؤمنين معدة منذ الآن ! إن جملة أعد لهم أجرا كريما توحي بأن الجنة ونعمها قد خلقت ، وهي بانتظار المؤمنين . ويمكن أن يتبادر هذا السؤال إلى الأذهان : إن التهيئة والإعداد يليقان بالشخص المحدود القدرة ، حيث أنه ربما لا يستطيع في بعض الأحيان أن يهئ وقت الحاجة ما يريد ، إلا أن مثل هذه الحاجة إلى الاستعداد لا تصدق في شأن الله سبحانه ، إذ أن قدرته لا تحد ، وإذا أراد شيئا في أية لحظة فإنه يقول له : كن فيكون ، فما هو المراد من التأكيد على التهيئة والإعداد في هذه الآية وسائر آيات القرآن الأخرى ؟ !

--> 1 - التفسير الكبير للفخر الرازي ذيل الآية مورد البحث .